‏إظهار الرسائل ذات التسميات نصائح. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نصائح. إظهار كافة الرسائل

النهي عن التشبه ببعض الحيوانات في الصلاة (مع بعض الصور التوضيحية)





إنَّ الله عزَّ وجلَّ خلق الخلق وأمرهم بطاعته، وفرض عليهم واجبات وشرائع لبلوغ مرضاته، ومن أعظم الواجبات قدرًا، وأرفعها ذكرًا؛ الصَّلاة الَّتي هي عمود الدِّين، وأسّه المتين، تشتمل على أركان وواجبات، وقيام وخفض ورفع ومستحبَّات، بيَّنها الرَّسول صلى الله عليه وسلم في سنَّته وأمر المسلمين بمتابعته، ونهى عن أفعال تخلُّ بتمامها وأركانها، وحذَّر من أعمال تَذهب بجمالها وخشوعها.
وممَّا نهى عنه ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ أفعال فيها مشابهة لأفعال بعض الحيوانات؛ وذلك أنَّ هدي المصلِّي مخالف لهديها، فكما أنَّ الشَّريعة جاءت بالنَّهي عن التَّشبُّه بالكفَّار والشَّياطين، وعن مشابهة الرِّجال للنِّساء والنِّساء للرِّجال، بل عن مشابهة كلِّ ناقص، جاءت أيضًا بالنَّهي عن التَّشبُّه بالحيوان في أفعال مخصوصة في الصَّلاة؛ يقع في كثيرٍ منها الجهَّال الَّذين هم بعيدون كلَّ البعد عن الاقتداء بسيِّد الخلق وإمام المصلِّين الَّذي أمرنا بالتَّشبُّه به في الصَّلاة؛ إذ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»(1)، وكان الأليق والواجب على المسلم المتابع لنبيِّه صلى الله عليه وسلم أن يحذو حذوه في أفعال الصَّلاة، إلَّا أنَّ الجهل بسنَّته صيَّر كثيرًا من النَّاس لا يتشبَّهون به في صلاته، بل تشبَّهوا بما نُهوا عن التَّشبُّه بهم من الحيوانات والبهائم.
والتَّشبُّه بالشَّيء يقتضي من الحمد والذمِّ بحسب الشَّبَه، فمَن تشبَّه بخير الخلق حُمد، ومن تشبَّه بغيره ممَّن أمرنا بمفارقته وعدم مشابهته ذُمَّ بحسب شبهه به.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لعن المتشبِّهين من الرِّجال بالنِّساء، والمتشبِّهات من النِّساء بالرِّجال؛ وذلك لأنَّ الله خلق كلَّ نوع من الحيوان وجعل صلاحَه وكمالَه في أمر مشتَرك بينه وبين غيره وبين أمر مختصٍّ به، فأمَّا الأمور المشتركة فليست من خصائص أحدِ النَّوعين، ولهذا لم يكن من مواقع النَّهي وإنَّما مواقع النَّهي الأمور المختصَّة، فإذا كانت الأمور الَّتي هي من خصائص النِّساء ليس للرِّجال التَّشبُّه بهنَّ فيها، والأمورُ الَّتي هي مِن خصائص الرِّجال ليس للنِّساء التَّشبُّه بهم فيها، فالأمورُ الَّتي هي من خصائص البهائم لا يجوز للآدمي التَّشبُّه بالبهائم فيها بطريق الأولى والأحرى، وذلك لأنَّ الإنسان بينه وبين الحيوان قدرٌ جامع مشترَك، وقدرٌ فارق مختَصّ، ثمَّ الأمرُ المشترك كالأكل والشُّرب والنِّكاح والأصوات والحركات لما اقترنت بالوصف المختصِّ كان للإنسان فيها أحكامٌ تخصُّه ليس له أن يتشبَّه بما يفعله الحيوان فيها، فالأمورُ المختصَّة به أولى مع أنَّه في الحقيقة لا مشترك بينه وبينها، ولكن فيه أوصاف تشبه أوصافها من بعض الوجوه والقدر المشترك إنَّما وجوده في الذِّهن لا في الخارج، وإذا كان كذلك فالله تعالى قد جعل الإنسان مخالفًا بالحقيقة للحيوان، وجعل كمالَه وصلاحه في الأمور الَّتي تناسبُه وهي جميعها لا يماثل فيها الحيوان، فإذا تعمَّد مماثلةَ الحيوان وتغيير خلق الله فقد دخل في فسادِ الفطرة والشِّرعة وذلك محرَّم» (2).
وهذا الذي ذكره ابن تيمية من مفارقة الآدمي للحيوان وعدم التَّشبُّه به عام في أوقاته كلِّها، فكيف التَّشبُّه به في أعظم عبادة أوجبها الله تعالى على عباده، وألزمهم بمتابعة سيِّد خلقه، فالمفارقة وعدم التَّشبُّه في مثل هذا آكد وأوجب، ولا يتمُّ ذلك إلَّا إذا عرف المكلَّف الأفعال والصِّفات والهيئات الَّتي ورد النَّهي عن فعلها في الصَّلاة تشبُّهًا بأفعال وصفات الحيوانات، فمن ذلك:

النَّهي عن النَّقر كنقرة الدِّيك أو الغراب

• فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أمرني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بثلاثٍ ونهاني عن ثلاث؛ أمرني بركعتي الضُّحى كلَّ يوم، والوتر قبل النَّوم، وصيام ثلاثةِ أيَّام من كلِّ شهر، ونهاني عن نَقرة كنقرَةِ الدِّيك، وإقعاءٍ كإقعاءِ الكَلب، والْتِفاتٍ كالْتِفاتِ الثعلب»(3).
فتضمَّن الحديث النَّهي عن نَقْرِ الصَّلاة كنقر الدِّيك، وهو ما يفعله كثيرٌ من العوام وكبار السِّنِّ من عدم الاطمئنان في الرَّفع والخفض والسُّجود والرُّكوع، فتراه ينقر صلاته كما ينقر الدِّيك الأرض بحثًا عن الحَبِّ والطَّعام، وسببه الجهل والاهتمام بشواغل الدُّنيا، فإذا قام إلى الصَّلاة نقرها نقر الدِّيك فلم يتمَّ ركوعَها ولا سجودها، وهو يحسب أنَّه صلَّى وأتمَّ صلاته.
وقد جاء ما يفسِّر ذلك في حديث آخر وأنَّه من عمل المنافقين لا من عمل عِبَاد الله الخاشعين، فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِصَلَاةِ المُنَافِقِ؛ يَدَعُ العَصْرَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ ـ أَوْ عَلَى قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ ـ قَامَ فَنَقَرَهَا نَقَرَاتِ الدِّيكِ، لَا يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا»(4).
• وعن أبي عبد الله الأشعريِّ قال: «صلَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ثمَّ جلس في طائفةٍ منهم، فدخل رجلٌ فقام يُصلِّي، فجعل يركع ويَنقرُ في سُجودِه، فقال: أتَرَونَ هَذَا؛ مَنْ مَاتَ عَلَى هَذَا مَاتَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ، يَنْقُرُ صَلَاتَهُ كَمَا يَنْقُرُ الغُرَابُ الدَّمَ، إِنَّمَا مَثَل الَّذِي يَرْكَعُ وَيَنْقُرُ فِي سُجُودِهِ كَالجَائِعِ لَا يَأْكُلُ إلَّا تَمْرةً أَوْ تَمْرَتَيْنِ، فَمَا تُغْنِيَانِ عَنْهُ!؟ فَأَسْبِغُوا الوُضُوءَ، وَوَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، أَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ»، قال أبو صالح: فقلت لأبي عبد الله الأشعري: مَن حدَّثك بهذا الحديث؟ قال: أمراءُ الأجناد؛ عَمرو بن العاص وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وشُرحبيل ابن حَسَنة ، كلُّ هؤلاء سمعوه من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم»(5).
• ووصَف رسول الله صلى الله عليه وسلم من يَنقر الصَّلاةَ نقرَ الدِّيك، ولا يتمُّ ركوعها وسجودها باللِّصِّ، وجعل لِصَّ الصَّلاةِ وسارقَها شرًّا من لِصِّ الأموال وسارقِها، فعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ، قالوا: يا رسول الله، وكيف يَسرِق من صلاته؟ قال: لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا، أو قال: لَا يُقِيمُ صُلْبَه فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ»(6)، فصرَّح بأنَّه أسوأُ حالًا مِن سارق الأموال، ولا رَيب أنَّ لِصَّ الدِّين شرٌّ مِن لصِّ الدُّنيا.
• وعن أبي وائل، عن حُذيفة: «رأى رجلًا لا يُتمُّ رُّكوعَه ولا سجوده، فلمَّا قضى صلاته قال له حذيفة: ما صليتَ، قال: وأحسبه قال: لو مُتَّ مُتَّ على غير سنَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم»(7).
• وعن سلمان الفارسي قال: «الصَّلَاةُ مِكْيَالٌ، فَمَنْ أَوْفَى أُوفِيَ لَهُ، وَمَنْ طَفَّفَ فَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا لِلْمُطَفِّفِينَ»(8). لذا كان الإمام مالك رحمه الله يقول: «ويُقال: لكلِّ شيء وفاءٌ وتطفيف»(9)، فإذا توعَّد الله سبحانه بالويل للمطفِّفين في الميزان والأموال، فما الظَّنُّ بالمطفِّفين في الصَّلاة!؟
• وعَن عمرو بن راشد اللَّيثيّ قال: «والله إنِّي لأصلِّي أمام المسور بن مخرمة، فصلَّيت صلاةَ الشَّباب كنقر الدِّيك(10)، فزحف إليَّ فقال: قم فصلِّ، قلت: قد صلَّيتُ عافاك الله، قال: كذبتَ، والله ما صلَّيتَ! والله لا تريم حتى تصلِّي، فقمتُ فصلَّيتُ فأتممتُ، فقال المسور: والله لا تعصون الله ونحن ننظرُ ما استطعنا»(11).
والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة، فحريٌّ بالمسلم أن يكون ذا وَقَارٍ وسكينة وطمأنينة في صلاته ليسلم من الوعيد الشَّديد، وتسلم له صلاتُه الَّتي إذا صلحت صلح سائرُ عمله.

الإقعاء كإقعاء الكلب أو القرد

وتقدَّم في حديث أبي هريرة النَّهيُ عن الإقعاء كإقعاء الكلب، وفي بعض الطُّرق كإقعاء القرد (12)، والإقعاء نوعان: أحدهما مشروع، والآخر منهيٌّ عنه، فالمنهيُّ عنه هو ما قاله أبو عبيدة مَعمر بن المثنى: أن يلصق إِلْيَتَيْهِ بالأرض وينتصب على ساقَيه ويضعَ يديه بالأرض، وقال في موضع آخر: الإقعاءُ: جلوسُ الإنسان على إليتيه، ناصبًا فخذيه مثلَ إقعاء الكلب والسَّبُع(13).
ويُقال: أقعى الكلب ولا يُقال: قَعدَ ولا جلس، وقعودُه إقعاؤُه، ويُقال: إنَّه ليس شيء يكون إذا قام أقصر منه إذا قعد إلَّا الكلب إذا أقعى(14).
هذا الَّذي ورد النَّهي عنه في الحديث المتقدِّم وغيره، وأمَّا الإقعاء المحمود فليس فيه تشبُّه بالكلب والسَّبع، أن يضع إليَتيه على عقِبيه ورُكبتيه على الأرض، لما روى مسلم في «صحيحه» عن طاوس قال: «قلنا لابن عبَّاس في الإقعاء على القدمين؟ فقال: هي السُّنَّة، فقلنا له: إنَّا لنراه جفاءً بالرَّجل؟ فقال ابن عباس: بل هي سنَّة نبيِّك صلى الله عليه وسلم(15).
الإقعاء بين السجدتين

 الالتفات كالتفات الثَّعلب

وتقدَّم الحديث في ذلك، وشبَّه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الملتفتَ في صلاته بالثَّعلب؛ لأنَّ الثَّعلب يُكثر الالتفات؛ إذ هو في يقين دائم أنَّه مَطرود مطلوبٌ، فإذا التفت العبدُ في صلاته نقصَ خشوعُه بقدر التفاته، والواجب عليه الإقبال على الله بقلبه وجسده، وأن لا يلتفت إلى غيره ما دام في صلاته، والالتفات إنَّما هو خَطفة يخطفها الشَّيطان من صلاة العبد، إذا ترك الإقبال على الله والتفت إلى غيره، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصَّلاة؟ فقال: هو اختلاسٌ يختلسه الشَّيطانُ من صلاة العبد»(16).
• وعن الحارث الأشعري رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا…» الحديث، إلى أن قال: «وَإِنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا، فَإِنَّ اللهَ يَنْصِبُ وَجْهَه لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ…» الحديث(17).
• وقد ورد ترهيب شديد ووعيد أليم فيمَن يرفع بصرَه إلى السَّماء في الصَّلاة ولا يُقبل على الله، وهو من الالتفات المنهيِّ عنه في الأحاديث المتقدِّمة، فعن أنس بن مالك قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَاشْتَدَّ قَوْلُه في ذلك حتَّى قال: لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ»(18). وعن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ»(19).

 الافتراش كافتراش السَّبُع أو الكلب

ومن الأمور الَّتي يتشبَّه بها بعضُ المصلِّين الجاهلين ببعض الحيوانات المفترسة أن يفترش افتراش السَّبع في الصَّلاة، والمراد به افتراش الذِّراعين في السُّجود، قال الزَّبيدي: «وافتَرش ذِرَاعَيْهِ : بَسَطَهُما على الأرض، وفي الحديث: نَهَى في الصَّلاةِ عن افْتِراشِ السَّبُعِ، وهو أَن يَبْسُطَ ذِرَاعَيْهِ في السُّجُودِ ولا يُقِلَّهُما ويرفَعَهُما عن الأَرْضِ إِذا سَجَدَ كما يَفْتَرِشُ الذِّئْبُ والكَلْبُ ذِرَاعَيْه ويَبْسُطُهُمَا، ويُقَالُ: افْتَرَشَ الأَسَدُ ذِرَاعَيْه : إِذا رَبَضَ عَلَيْهِمَا ومَدَّهُمَا وكذلِكَ الذِّئْبُ قال:
تَرَى السِّرْحَانَ مُفْتَرِشًا يَدَيْهِ              كَأَنَّ بَيَاضَ لَبَّتِهِ الصَّدِيعُ»(20).
• وقد ورد النَّهي عن هذا التَّشبُّه في أحاديث منها: ما روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها: «أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَفرِشُ رجلَه اليُسرى ويَنصِب رِجلَه اليُمنى، وكان ينهى عن عقبة الشَّيطان، وينهى أن يَفرشَ الرَّجل ذِرَاعَيْه افترَاشَ السَّبُع»(21).
• وعن أنس بن مالك، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ»(22). وعن جابر رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَعْتَدِلْ وَلَا يَفْتَرِشْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الكَلْبِ».
قال التِّرمذي: «حديث جابر حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم، يختارون الاعتـدالَ في السُّجـود، ويَكرهون الافـتـرَاشَ كافتِراشِ السَّبُع»(23).
والاعتدال في السُّجود هو أن يضع يديه، وهما الكفَّان، على الأرض كما أمر بذلك النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وأن لا يفترش ذراعيه.

البُروك كبروكِ البَعير

بَرَكَ البعيرُ إذا أناخ في موضع فلَزِمه، وقد جاء النَّهيُّ عن التَّشبُّه بالبعير في بروكه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ البَعِيرُ؛ وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ»(24).
• وقد اختلف العلماء فيما يقدِّمه المصلِّي عند إرادة السُّجود، رُكبتيه أم يديه؟ فمَن قال بتقديم الرُّكبتين أجاب عن الحديث الوارد بأنَّه مقلوب، ـ والحديث المقلوب في علم المصطلح مشتقٌّ من القلب وهو تبديل شيء بآخر، أو ما وقعت المخالفة فيه بالتَّقديم والتَّأخير ـ، قالوا: إنَّ متنَ الحديث انقلبَ على أحدِ الرُّواة، والصَّواب فيه أن يقول: «فلَيضَع رُكبتيه قبل يديه»؛ لأنَّ البعيرَ يَبرُك على رُكبَتيه قبل يديه.
• وأجاب القائلون بظاهر الحديث، فقالوا: إنَّ الحديث ليس فيه قلب، وهو على بابه، وذلك أنَّ البعيرَ رُكبتاه في يديه، وبنو آدم ليسوا كذلك كما هو مقرَّرٌ عند أهل اللُّغة، ومعنى الحديث: لا يَبرك على ركبتيه اللَّتين في رِجليه كما يَبرك البعيرُ على ركبتيه اللَّتين في يديه؛ ولكن يبدأ فيضع أوَّلًا يديه اللَّتين ليس فيهما رُكبتاه، ثمَّ يضع ركبتيه فيكون ما يفعل في ذلك بخلاف ما يفعل البعير.
• ومن رام تفصيل المسألة فعليه بكتب الحديث والفقه، والغرضُ هو مخالفة البعير في بروكه، فمَن رأى أنَّ الصَّواب هو البدء بالرُّكبتين قبل اليدين فليفعل ذلك مخالفة للبعير، ومن ترجَّح لديه ظاهر الحديث ـ وهو الذي تدلُّ عليه الأدلة ـ فليبدأ بيديه، وكلٌّ على خير ما دام الاعتماد على الدَّليل لا مجرَّد التَّعصُّب والتَّقليد.

 رفع الأيدي وقتَ السَّلام كأذناب الخيل

ورد النَّهي في السُّنَّة عن رفع الأيدي إشارةً إلى السَّلام من الجانبين، فعَن جابر بن سمرة قال: «كنَّا إذا صلَّينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: السَّلام عليكم ورحمة الله، السَّلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عَلَى مَا تُومِئُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْل شُمْس؟ إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ»(25).
قال النَّووي في شرح هذا الحديث: «قوله صلى الله عليه وسلم: «مَالِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْل شُمْس» هو بإسكان الميم وضمِّها، وهي الَّتي لا تستقرُّ، بل تضطرب وتتحرَّك بأذنابها وأرجلها، والمراد بالرَّفع المنهيِّ عنه هنا رفعهم أيديهم عند السَّلام مشيرين إلى السَّلام من الجانبين»(26).
فهذه ستُّ خصال نُهي المصلِّي عن التَّشبُّه بها ببعض الحيوانات، فجدِيرٌ بمَن أراد الخيرَ لنفسه، واتِّباع نبيِّه  صلى الله عليه وسلم في صلاته وسائر تصرُّفاته أن يجتهِدَ في تعلُّم سنَّته ومعرفة حديثه، وأن يعرف قدر هذه الصَّلاة ويُعظِّمها بالحرص على إتمامها والإتيان بها كما صلاَّها أفضل الخلق عليه الصَّلاة والسَّلام، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
 انظر تخريج الأحاديث
(1) رواه البخاري في «صحيحه» (631).
(2) «مجموع الفتاوى» (32/260).
(3) رواه أحمد في «المسند» (13/468)، وحسَّنه الألباني في «صفة الصَّلاة» (ص 132).
(4) أخرجه مسلم في «صحيحه» (1/434)، وأحمد في «المسند» (31/211)، وهذا لفظه.
(5) رواه ابن خزيمة في «صحيحه» (1/332)، وصحَّحه الألباني في «صفة الصَّلاة» (ص 132).
(6) رواه أحمد في «المسند» (37/319)، ورواه مالك في «الموطَّأ» (462) من حديث النُّعمان بن مرَّة مرسلًا.
(7) «صحيح البخاري» (389).
(8) «مصنَّف عبد الرزَّاق» (2 /373)، وفي إسناده سالم بن أبي الجعد: وهو ثقة إلا أنه كثير الإرسال، ولم يذكر في شيوخه سلمان، ولم يثبت سماعه من ثوبان، وقد توفي بعد سلمان بعشرين سنة.
(9) «الموطَّأ» (1/42).
(10) في الزَّمن الماضي كان نقر الصَّلاة وعدم إتمام ركوعها وسجودها خاصًّا ببعض الشَّباب وصغار السِّنِّ لطيشهم وبُعدهم عن مجالس الذِّكر، وأمَّا اليوم فالأمر صار خاصًّا ـ في الغالب ـ بكبار السِّنِّ، والله المستعان.
(11) «كتاب الزُّهد» لابن المبارك (ص 486).
(12) عند أحمد (7595) وغيره، وحسنه الشيخ الألباني في «صفة الصلاة» (ص131).
(13) «السُّنن الكبرى» للبيهقي (2/120).
(14) «موسوعة شروح الموطَّأ» (التَّمهيد ـ 4/397).
(15) «صحيح مسلم» (1/380).
(16) «صحيح البخاري» (751).
(17) رواه التِّرمذي (2863)، وقال حديث: «حسن صحيح».
(18) «صحيح البخاري» (750).
(19) «صحيح مسلم» (1/321).
(20) «تاج العروس» (17/308، 309 ـ مادة: فرش).
(21) «صحيح مسلم» (1/357).
(22) «صحيح البخاري» (822).
(23) «جامع التِّرمذي» ( 275).
(24) أخرجه أبو داود (840)، وغيره، وهو صحيح.
(25) «صحيح مسلم» (1/322).
(26) «شرح صحيح مسلم» (3/152).

[سلسلة مطويات لباس المرأة المسلمة] [الشيخ ماهر بن ظافر القحطاني]



بسم الله الرحمن الرحيم 










والحمد لله رب العالمين ،،

مكانة المرأة في الإسلام


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى اللهم لك الحمد ملء السماوات والأرض فكل الحمد لك اللهم لك الشكر ملء السماوات والأرض فكل الشكر لك نحمدك على نعمة الإسلام والإيمان والقرآن ونحمدك على أن هديتنا للإسلام وجعلتنا من أمة خير الأنام صلوات الله وسلامه عليه نشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واسأل الله عز وجل أن يجعل هذه الدقائق في ميزان الحسنات في يوم تعز فيه الحسنات في يوم الحسرات وأن يجعل من تسبب في ذلك بشيء قليل أو كثير يجعل هذه في ميزانه وأن يجعلها له من الباقيات الصالحات هو ولي ذلك والقادر عليه أيتها الأخوات المؤمنات إدارة ومعلمات وطالبات ومنسوبات أوصيكن ونفسي بتقوى الله عز وجل وأن نقدم لأنفسنا أعمال تبيض وجوهنا يوم أن نلقى الله (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها) (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا) (يوم يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور) يوم تبلى السرائر وتنكشف الضمائر يوم الحاقة والطامة والقارعة والزلزلة والصاخة (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه)

أيتها الأخوات من أنتن لولا الإسلام والإيمان والقرآن؟ أنتن بالإسلام وبالإيمان والقرآن شيء وبدونها والله لا شيء، ولعلكنَّ تُعِرنني أسماعكنَّ قليلا، لتعرفن تلك النعمة التي أنتنَّ تعِشْنَها في هذه الأيام، يوم تسمعْن لحال المرأة في عصور الجاهلية، وأنتنَّ تتبوأن نعمة الهداية. كيف كانت المرأة؟ كانت سلعة تُباع وتُشترى، يُتشاءم منها وتُزدرى، تُبَاع كالبهيمة والمتاع، تُكْرَه على الزواج والبِغَاء، تُورث ولا تَرث، تُملَك ولا تَمْلِك، للزوج حق التصرف في مالها –إن ملكت مالها- بدون إذنها، بل لقد أُخْتلِفَ فيها في بعض الجاهليات، هل هي إنسان ذو نفس وروح كالرجل أم لا؟ ويقرر أحد المجامع الروسية أنها حيوان نَجِس يجب عليه الخدمة فحسب، فهي ككلب عَقُور، تُمنَع من الضَّحِك –أيضا-؛ لأنها أحبولة شيطان، وتتعدد الجاهليات، والنهاية والنتيجة واحدة. جاهلية تبيح للوالد بيع ابنته، بل له حق قتلها ووأدها في مهدها، ثم لا قِصاص ولا قَصاص فيمن قتلها ولا دِيَة، إن بُشِّر بها ظلَّ وجهه مسودًا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بُشِّر به، أيُمْسِكَه على هونٍ، أم يدسُّه في التراب.
وعند اليهود إذا حاضت تكون نجسة، تنجس البيت، وكل ما تَمسُّه من طعام أو إنسان أو حيوان، وبعضهم يطردها من بيته؛ لأنها نجسة، فإذا تطهَّرت عادت لبيتها، وكان بعضهم ينصب لها خيمة عند بابه، ويضع أمامها خبزا وماء كالدابة، ويجعلها فيها حتى تطهر.
وعند الهنود الوثنيين عُبَّاد البقر يجب على كل زوجة يموت زوجها أن يُحرق جسدها حية على جسد زوجها المحروق.
وعند بعض النصارى أن المرأة ينبوع المعاصي، وأصل السيئات، وهي للرجل باب من أبواب جهنم، هذا كله قبل بعثة محمد –صلى الله عليه وسلم-.

فهل أتاكنَّ أيتها المؤمنات المسلمات القانتات، بل هل أتاكنَّ يا بنات حواء في هذا العالم كله أنباء ما جاء به نبي الرحمة والهدى محمد –صلى الله عليه وسلم- من التعاليم في حقِّكنَّ فحمدتنَّ الله على ما تبوأتنَّ به من هذه النعمة. بعد تلك المهانة والذِلَّة، يأتي رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ليرفع مكانة المرأة، ليُعلي شأنها، فإذا به –صلى الله عليه وسلم- يبايع النساء بيعة مستقلة عن الرجال، وإذا بالآيات تتنزل، وإذا المرأة فيها إلى جانب الرجل تكُلَّف كما يُكَلَّف الرجل إلا فيما اختصت به. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم من نفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) (وَاللهُ جَعَلَ لَكُم منْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم منْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً) (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) صفات صالحة في الرجال، ما ذكرها الله إلا وذكر في جانبها النساء، والصالحة كذلك. (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)(الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ) (السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) وإذا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد مدة ليست باليسيرة يقول: "إنما النساء شقائق الرجال" وإذا به -صلى الله عليه وسلم- بعدها يقول في خطبته الشهيرة: "استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عندكم عَوَان "يعني أسيرات، ثم يقول -صلى الله عليه وسلم- رافعًا شأن المرأة، وشأن من اهتم بالمرأة على ضوابط الشرع: " خياركم خياركم لنسائهم، خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" صلوات الله وسلامه عليه. يأتيه [ابن عاصم المنقري]؛ ليحدثه عن ضحاياه، وعن جهله المُطْبِق، ضحاياه المؤودات فيقول : لقد وأدت يا رسول الله اثنتي عشرة منهن، فيقول –صلى الله عليه وسلم-: "من لا يَرحم لا يُرحم ،من كانت له أنثى فلم يَئدْها، ولم يُهِنْها، ولم يؤثر ولده عليها، أدخله الله –عز وجل وتعالى- بها الجنة ". ثم يقول –صلوات الله وسلامه عليه-: "من عَالَ جاريتيْن حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين، وضمَّ بين أصابعه صلوات الله وسلامه عليه" ثم يقول –صلى الله عليه وسلم:" الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو كالقائم لا يفتر، أو كالصائم لا يفطر" أو كما قال –صلى الله عليه وسلم-: أمٌّ مكرَّمَة مع الأب، أُمِرْنَا بحسن القول لهما (فَلاَ تَقُل لهما أُفٍّ) وحسن الرعاية (وَلاَ تَنْهَرْهُمَا) وحسن الاستماع إليهما والخطاب (وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا) وحسن الدعاء لهما (وَقُل رّبّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبّيَانِي صَغِيرًا). أمٌّ مكرَّمة مقدَّمة على الأبِّ في البرِّ. "من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك". يأتي [جاهمة] إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريد الجهاد في سبيل الله من >اليمن<، قد قطع الوِهَاد والوِجَاد حتى وصل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: أردت يا رسول الله أن أغزو وجئت لأستشيرك، فقال -صلى الله عليه وسلم-": هل لك من أم؟ قال: نعم، قال: الْزمها؛ فإن الجنة عند رجليها " أو كما قال صلى الله عليه وسلم. بل أوصى –صلى الله عليه وسلم- بالأم وإن كانت غير مسلمة. فها هي [أسماء] تقول: "قدمت أمي عليَّ، وهي ما زالت مشركة، فاستفتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: قدمت أمي وهي راغبة أَفأَصِلُها؟ قال: نعم –صلى الله عليه وسلم-، صِلي أمك".
ليس هذا فحسب، بل أنزل الله فيكِ سورة كاملة باسم سورة النساء، وخصَّكِ بأحكام خاصة، وكرَّمك، وطهَّرك، واصطفاك، ورفع منزلتك، ووعظك، وذكَّرك، وجعلك راعية ومسؤولة، وأرجو من الله –عز وجل- أن تكوني كذلك، فالأمل –والله- فيكن –أيتها المؤمنات المتعلمات- كبير، والمسئولية –والله- عليكن عظيمة وجسيمة. راعيات في المدارس، راعيات في البيوت، فلتكنَّ قدوات، قدوات في المظاهر، وقدوات في المخابر، قدوات في القول، وفي العمل، وفي كل أمورِكن؛ فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- الذي رفع شأنكن بهذا الدين يقول: "وما من راعٍ استرعاه الله رعية فضيَّعهم، أو بات غاشًا لهم إلا حرَّم الله عليه رائحة الجنة ". منذ بزوغ فجر الرسالة –يا أيتها المسلمة- والمرأة مُكرَّمة معزَّزة تقوم بدورها إلى جانب الرجل تؤازره، تشد من عزمه، تقوي همَّته، تناصره، تحفظه إن غاب، تسرُّهُ إذا حضر إليها، ثم تنال بعد ذلك نصيبها في شرف الدعوة إلى الله –عز وجل- . وتنال نصيبها من الإيذاء في سبيل الله. فها هي [سمية]، ما سمية؟! سمية أول شهيدة في الإسلام، وهاهو ابنها وزوجها يُعذَّبون، يُلبسون أذرع الحديد، ثم يُصهرون في الشمس، في رمضاء <مكة>، وما أدراكم ما تلك الرمضاء؟! ثم يمرُّ –صلى الله عليه وسلم- وهم يُعذَّبون بـ>الأبطح<، وهو في بداية دعوته لا يملك لنفسه شيئًا بل لا يملك ما يدفع به عنهم وعنها، فيقول: "اصبروا آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة" وذات يوم بالعشي يأتي [أبو جهل] إلى [سمية]، فيسبها، ويشتمها، ويتكلم بكل كلمة وَقِحَة ومهينة، وهي ثابتة بإيمانها، راسخة بيقينها، لا تلتفت إلى وقاحته، ولا تنظر إلى سفالته، وإنما رنت عينها مباشرة إلى جِنَانٍ ذاكية، وإلى منازل ذاكية، في دار النعيم والرِّضوان والتكريم، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها، نظرت إلى هناك ولم ترد عليه ليتقدم -أخزاه الله- إلى تلك العجوز الضعيفة الكبيرة فيطعنها بالحربة في موطن عِفَّتِها، لم يرحم ضعفها ولا عَجْزَهَا لتسقط؛ فتكون أول شهيدة في الإسلام، ثم يموت زوجها بعد ذلك بالعذاب فيحتسبها، ثم يحتسبه أبناء هذا الرجل، ويشاء الله أن يعيش ابنها [عمار] حتى يرى قاتل أمه يوم >بدر < مجدلاً على الأرض، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول له: " قتل الله قاتل أمك يا عمار، قتل الله قاتل أمك يا عمار".
أخواتي المؤمنات؛ ونَعِمَت المرأة في ظل الإسلام قرونًا، ولا زالت تنعم بذلك حتى جاءت جاهلية هذا القرن والذي قبله، فوأدت المرأة وأدًا معنويًا، أمثل خطرًا من وأد الجاهلية. فإن الموءودة في الجنة كما أخبر بذلك النبي –صلى الله عليه وسلم-.
أما موءودة هذا القرن فهي التي وأدت نفسها، وباعت عفَّتها، وأهدرت حياءها، لا تجد الجنة، ولا تجد ريحها، كاسية عارية، مائلة مُمِيلة، لا تجد عرف الجنة، وإن ريح الجنة ليوجد من مسافة كذا وكذا، أصغت بأذنها إلى الدعاة على أبواب جهنم، فقذفوها في جهنم، فشقيت وخسرت دنياها وأخراها، فهي تعض أصابع الندم هنا ويوم القيامة، نسأل الله –عز وجل- أن يتجاوز عنَّا، وعن العاصيات من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-. يا أمَةَ الله تجيء جاهلية هذا القرن في صور متعددة؛ في صورة المشفق عليك، الضاحك ظاهرًا، وهو يريد قتلك باطنًا.
إذا رأيت نِيُوبَ اللَّيثِ بارزةً *** فلا تظنِّين أنَّ اللَّيث يبتسمُ
جاءت هذه الجاهلية في صورة المشفق عن طريق مجلة، أو عن طريق صفحة جريدة، أو أغنية فاجرة، أو مسلسلة، أو تمثيلية، أو جهاز استقبال، يريدون منكِ أن تكوني عاهرة، سافرة، فاجرة، يريدون أن تكوني بهيمة في مِسْلاخِ بشر. حاشاك يا ابنة الإسلام، ويا حفيدة [سمية] و[أسماء].

اسمعي لقائلهم سمع الكبار يوم يقول وهو أحد الكفار الذي يتربص بك وبأخواتك وبالمؤمنين الدوائر يقول: لا تستقيم حالة الشرق الإسلامي لنا حتى يُرفع الحجاب عن وجه المرأة، ويُغطَّى به القرآن، وحتى تؤتى الفواحش والمنكرات. وخاب وخَسِر.
ويقول الآخر: مزِّقيه مزِّقيه بلا ريث، فقد كان حارسًا كذابًا -يخاطب بذلك الحجاب-.
ويقول الآخر: إلى متى تحملين هذه الخيمة؟.
ويقول آخر: ينبغي أن تبحثي عن قائد يقودك إلى المدرسة والكليَّة .
ويقول آخر: لابد أن نجعل المرأة رسولاً لمبادئنا، ونخلِّصها من قيود الدين. خاب وخسر.
ويقول الآخر: إن الحجاب خاص بزوجات رسول الله –صلى الله عليه وسلم- .
فأين تنطلي مثل هذه الأمور؟ وأين هذا من القرآن؟ إنه لم يعرف القرآن، ولو عرف القرآن لقرأ قول الله في القرآن: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ)
ويقول أحدهم -وهو [قاسم أمين]، من الذين تأثروا بالغرب- يقول: إن الحجاب ضرر على المرأة؛ فهو معرقل لحياتها اليومية يضرب بالآيات عرض الحائط، ويحكِّم عقله، وينظر إلى الغرب الهائم. فعامله الله –عز وجل- بما يستحق.
وآخر يقول: كأس وغانية تفعلان في الأمة المحمدية مالا يفعله ألف مدفع؛ فأغرقوهم في الشهوات والملذَّات.
كيف جاءت هذه الأمور؟ إنها لم تأتنا إلا من أعداء الإسلام، على طريقة من؟! على طريقة الذين رُبُّوا على أفكار أولئك.
يخرج [سعد زغلول] منفيًا مُرتبًا له من مصر إلى بريطانيا أيام الاحتلال، ليعود من هناك وهو بطل وزعيم وطني قومي، وقد رُتِّب له الأمر، فإذا بسرادق النساء في استقباله، وإذا بزوجته [صفية زغلول] –انتسبت إليه، ولا تنسب إلى أبيها على طريقة الغربيات الكابرات- تأتي معه على ظهر الباخرة، وتصل إلى هناك، ولمَّا وصلت إلى هناك، وجاءوا لاستقباله إذا الأمر مرتب، ينزل وينطلق مباشرة إلى سرادق النساء، إلى سرادق الحريم المحجبات فتقوم [هدى شعراوي] –عاملها الله بما يستحق- تقوم إليه محجبة، فينطلق إليها ليمد يده –وقد مدَّ اليهودي قبل ذلك يده فدفع ثمن ذلك نفسه- يمد يده إلى حجابها ويرفع ذلك، وهي تضحك وتصفِّق، ويضحك ويصفِّق، ثم يصفِّق النساء لِيُعْلِنَّ الرَّذيلة من ذلك اليوم، وليبدأنَ في تقليد الكافرات، هذا هو عمله، فماذا فعلت؟ التي قامت بالدور بعد ذلك [هدى] و[صفيَّة] ، انطلقا في مظاهرة ظاهرها وهدفها مناوأة الاحتلال الإنجليزي، وانطلقا إلى ميدان الإسماعيلية، ليقفا في ذلك الميدان محجبات سود كالغربان، كما أمر النبي –صلى الله عليه وسلم- ولكن لحاجة في نفسهن، رمين الحجاب ودُسْنَهُ بالأقدام، ثم أحرقْنَه في تلك الساحات، ليُعلنَّ التمرد على القيم والأخلاق الإسلامية، فماذا كان بعد ذلك؟! حصل في <مصر> ما حصل ، حصل فيها أن بدأ التغريب هناك على يد هؤلاء، وبين أيادي المؤمنات، وعلى مرأى المسلمين والمسلمات.
ماذا حصل؟! انطلقوا مباشرة، فإذا بالرجل ينطلق إلى جنب المرأة مباشرة، وإذا به يعمل معها، وإذا بها يخالطها في المدرسة تلميذًا ومعلِّمًا فيما بعد، وإذا بالأمور تنفرط، ليس هناك فتدب العدوى إلى بلاد عربية ، حتى يكاد لا يَسْلَم من ذلك بلد إلا من رحم الله، وقليل ما هم. وإذا بنا نئن ونشكو من اختلاط ، من رذيلة توأد، ومن طهر وعفاف يوأد، وإذا الفساد ينتشر، وإذا الداعية يطيح هنا وهناك، فإذا الآذان صُمَّت، واتجهت تقلِّد الغرب حتى في لباسها، قامت تقلدهم في الموضة والأزياء. جاءت هذه الصرعات فاستنفذت البيوت واستنفذت ميزانيات الأسر. حتى إنك لترى التي بلغت الخامسة عشر لا زال لباسها من فوق ركبتها، وتقول: لازلت صغيرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وما –والله- ذكرت من هؤلاء سواءً [هدى] أو [قاسم] أو [زغلول] أو غيرهم من الدعاة هنا وهناك إلا نماذج للدعاة على أبواب جهنم الذين ألقوا بحجابهم، وداسوه بالأقدام إنما يتَحَدَّوْن مشاعر المسلمين، والذين يكتبون لتحرير المرأة، والذين وقفوا بذلك الميدان وسموه ميدان التحرير إنما هو التحرر من الفضيلة والخُلُق والطُّهر ولاشك، يكتبون، والله يكتب ما يُبيِّتون هم وأذنابهم إلى يوم يبعثون. (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُم أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُم آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ أُولَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ) (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ التِي فِي الصُّدُورِ). أختي المؤمنة؛ هل لهؤلاء ومن على أدرابهم من الكُتَّاب والراقصات والعاهرات أهلٌ لأن يَكُنَّ قدوة للصالحات المؤمنات القانتات الصابرات الخاشعات ؟ نعوذ بالله من الانتكاس ، ونسأل الله الثبات حتى الممات . أنت الطهر ، وأنت الفضيلة ، وأنت السُّمُوُّ ، والطهر لا يقتدي بالرِّجس والمهين ، والفضيلة لا تقتدي بالرذيلة ، والسمو لا يقتدي بالسُّفْل . خابوا وخسروا وتعسوا وانتكسوا .
أغيظيهم وقولي بلسان حالك ومقالك:
دعهم يعضوا على صُمِّ الحَصَى كمدًا *** من مات من غيظه منهم له كفن
إن آمالنا في المسلمة المتعلِّمة والمعلِّمة أن تكون أقوى من التحدِّيات، آمالنا في المسلمة في كل مكان وآمالنا في المسلمة في هذه الجزيرة أن تكون أقوى من التحديات، تعتز بدينها، تتمسك بعقيدتها ومبادئها وأخلاقها، بل وتدعو إليها؛ فذلك من دينها.
هاهو رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يخبر ليلة الإسراء أنه كما قال: "فلما كانت الليلة التي أُسْرِيَ بي أتت علىَّ رائحة طيِّبة ، فقلت: ما هذا الرائحة الطيبة يا جبريل؟ قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادها" أتدرون ما خبر هذه المرأة؟ وما خبر هذه الماشطة؟ اسمعنَ إليها؛ فلعل فيها ما يثبِّت المرأة أمام شهواتها، وأمام رغباتها، والترغيب والترهيب عمومًا. هذه كانت تمشط بنت فرعون، ذات يوم من الأيام، وبينما هي تمشِّط بنت فرعون –وهو الذي يقول: أنا ربكم الأعلى- وإذا بالمِدْرَى يسقط من يديها، -المشط أو المِفْرَق التي تفرق به الشعر يسقط من يديها-، ويوم سقط من يديها قالت: باسم الله –وقد كانت تخفي إيمانها قبل ذلك- فقالت بنت فرعون: أبي؟ قالت: باسم الله ربي، ورب أبيك، وربك رب العالمين جميعًا، فقالت: إذاً أخبره بذلك، قالت: افعلي، فذهبت وأخبرت أباها، فجاء في تكبُّره وتجبُّره، ووقف عندها، وقال: أو إنَّ لك ربًا غيري؟ أو إن لك ربًا غيري؟! قالت: ربي وربك ورب الجميع رب العالمين سبحانه وبحمده، فاغتاظ، وقال: أما أنت بمنتهية؟ قالت: لا، فقال: إذًا أعذب أو أقتل، قالت: (اقْضِ مَا أَنتَ قَاض إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا) فانطلق يعذِّبها، أوتد يديْها ورجليْها، وصنف عليها أنواع العذاب، فكانت تمزج حلاوة إيمانها بمرارة العذاب، فتطفو حلاوة الإيمان على مرارة العذاب، فتشتاق وتقول: إنما هي ساعات، وإلى جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر. يرسل عليها العقارب لتلسعها علَّه أن يصل إلى قلبها، ثم يقول: أما أنت بمنتهية؟ فتقول: ربي وربك الله رب العالمين، فيعود ليرسل عليها الحيَّات لتنهشها، ثم يقول: أما أنت بمنتهية؟ فتقول: ربي وربك الله رب العالمين، ينوِّع عليها العذاب، ويصنف عليها ذلك، وهي راسخة بإيمانها وعقيدتها، قد علمت إنما هي سويعات، ثم تعود إلى الله –عز وجل- فماذا حصل؟ قال: إذاً أقتلك وأحرقك بالنَّار، قالت: (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) فأمر ببقرة من نحاس، قيل أنه قدِر على صورة بقرة، وقيل: إنها بقرة أُذِيبت، ثم جيء بها وبأولادها ليقفوا على طرف هذه النار، يقف على طرف هذه النار، ثم يأخذ واحدًا من أولادها، وقبل أن يأخذه قالت: لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قالت: أن تجمع عظامي مع عظام أولادي، ثم تدفننا في ثوب واحد، قال: ذلك لك علينا من الحق ، ثم رمى الولد الأول فوقفت ، فوقف أخوه الثاني وقال: اصبري يا أماه، فإن لك عند الله كذا وكذا إن صبرت، ثم رمى بالثاني، فقال الثالث: اصبري يا أماه؛ فإن لك عند الله كذا وكذا إن صبرت. ويرمي بهم واحداً بعد الآخر، وهي تقول: ربي وربك الله رب العالمين. لم يبقَ سوى طفل على ثديها رضيع لم ينطق بعد في شهوره الأولى، فما كان منها إلا أن ترددت أن تلقي بنفسها مع أولادها من أجل هذا الرضيع، ويشاء الله، فيطلق الثدي وينطقه الله الذي تعبده؛ ربها ورب كل شيء، فيقول: يا أماه اقتحمي؛ لَعذابُ الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، فتقتحم مع طفلها لتلقى الله- عز وجل-، راسخة ثابتة بإيمانها؛ فعليها رحمة الله ورضوانه. لم يقف الأمر عند ذلك، بل كانت [آسيا بنت مزاحم] زوج فرعون، والتي ربت [موسى] –صلوات الله وسلامه عليه- والتي قالت: (قُرَّتُ عَيْنٍ لي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) كانت تراقب الموقف وهي مؤمنة، ولم تعلن إيمانها بعد؛ خوفًا من أن يفتنها عن دينها، ولما رأت من الماشطة ما رأت، فقوي في قلبها إيمانها، وتعلقت بربها؛ رب العالمين. فجاء إليها ليخبرها متبجحًا وقد علمت ما حصل، فقال: فعلت بالماشطة كذا وكذا، فقالت: الويل لك، ما أجرأك على الله! الويل لك ما أجرأك على الله! الويل لك، ما أجرأك على الله! قال: لقد اعتراك جنون الماشطة، قالت: بل آمَنْتُ بالله ربي ورب الماشطة، وربك رب العالمين. آمنت بالله رب العالمين، فذهب إلى والدتها، وقال: لأذيقنَّها ما ذاقته الماشطة أو لترجع، فجاءت أمها –برحمتها وشفقتها عليها- تعرض عليها أن تتنازل عن دينها –وهي إنما تتنازل عن الجنة التي عرضها السماوات والأرض- فماذا كان منها؟ قالت: يا أماه أما أن أكفر بالله، فوالله لا أكفر بالله، عندها بدأ في التعذيب، أوتد يديْها ورجليها، وعرَّضها لأشعة الشمس، ووكَّلَ من يعذبها يصنف عليها أنواع العذاب ويقول: أما أنت بمنتهية؟ فتقول: لن أنتهي حتى ألقى الله –أو كما قالت- فيأتي بعد ذلك، ويقول: لأرمينك بكذا وكذا من الصخور – يهدِّد – قالت: لا أرجع عن ذلك أبدًا، فماذا يحصل بعد ذلك؟ كان الذين يعذبونها في حرارة الشمس ينصرفون عنها ويذهبون بعيدًا عنها؟ فإذا ذهبوا، نزلت الملائكة لتظلَّها بأجنحتها، ثم يرجع إليها ويعرض عليها مرة أخرى، فترفض فيرمي بالصخرة عليها لتلقى الله –عز وجل- ثابتة بإيمانها. هذا خبر من قبلنا من الأمم.

فما خبر من بعد البعثة؟ إن الخبر ليستلزم أن نقف عند [خديجة] –رضي الله عنها- تلك المؤمنة صاحبة الثراء، وصاحبة الجاه، وصاحبة المال، التي تزوجت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وكانت أول مؤمنة به، وآزرته في محنته، وثبَّتته يوم خاف، ويوم عاصرت نزول القرآن من أول لحظاته، كانت أول مثبت للنبي –صلى الله عليه وسلم-، وهي التي جاء النبي –صلى الله عليه وسلم- منها الولد، وكان يذكر ذلك لها بعد موتها، رضي الله عنها، وصلى الله عليه وسلم. جاء إليها يومًا من الأيام، وهي تبكي بعد موت ابنها [القاسم]، فيقول: ما بك؟ قالت: دَرَّت لُبَينَة القاسم، فكان بودِّي لو عاش حتى يستكمل رضاعته، فقال –صلى الله عليه وسلم-: إن له في الجنة مرضعًا تستكمل له رضاعته، فهان عليها ما كان، ثم قامت معه حتى أنزل عليه الوحي، وجاء إليها يرتعش خائفًا مرتعدًا؛ لما رأى جبريل وهو يقول له: اقرأ، وهو يقول لها: زملوني ، دثِّروني، فيقول لها: والله يا خديجة لقد خشيت على نفسي، قالت: كلا والله لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتحمل الكلَّ، وتُقْرِى الضَّيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق. وقفت معه –صلى الله عليه وسلم- فقاسمته شدَّته ومحنته، وما تراجعت عن ذلك مع أنها صاحبة الجاه، وصاحبة السؤدد، وصاحبة المال، فزادت ذلك سؤددًا ومالاً وجاهًا يوم ارتقت لأن أفقد ولدي خير لي من أن أفقد حيائي وديني، إن الله خاطب رسوله فقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ) ووالله ما أنا بخير منهن. فتخلقي بأخلاق أهل الإسلام، وارجعي إلى سِيَر هؤلاء الأعلام . وادعي إلى الله –عز وجل- فإنك مسؤولة عن علمك، ماذا عملت به أيتها المؤمنة فما عسى يكون الجواب؟ المرأة المسلمة على ثغرة عظيمة. فاللهَ اللهَ أن تؤتى البيوت من قِبَلِك. واللهَ اللهَ أن يؤتى الإسلام من قِبَلِك. واللهَ اللهَ أن يؤتى أبناء المسلمين من قبلك. هاهي مَثَل لك؛ لأن الخير يستمر في الأمة إلى قيام الساعة والأمثلة كثيرة في هذا العصر والذي قبله.


إن الأمة تنتظر منك الكثير والكثير. اعلمي أخيرًا أن طريق الجنة صعب، وأنه محفوف بالمكاره، لكن آخره السعادة الدائمة؛ أخبر بذلك من؟ أخبر به النبي –صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه [مسلم] يوم يقول: "إن الله –عز وجل- لما خلق الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر ما أعددت لعبادي الصالحين فيها، فذهب؛ فإذا فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فرجع إلى ربه، وقال: يا رب وعزتك وجلالك لا يسمع بها أحد إلا دخلها ،" لِما فيها من النعيم، ثم حفَّها الله بالمكاره، بما تكره النفس من التكاليف؛ من الأوامر ، من النواهي ، من الضوابط الشرعية التي يتنقل الإنسان بينها وفيها، حفَّها بهذا كله. ثم قال: ارجع فانظر إليها، فنظر إليها، فإذا هي حفَّت بكل ما تكرهه النفس، فماذا قال؟ رجع إلى ربه، وقال: وعزتك وجلالك قد خشيت ألا يدخلها أحد. النفس يا أيها الأحبة ، والله لا يدخلها إلا من زكىَّ نفسه . اسمعوا إلى الله وهو يقسم، يٌقسم مرات بعد مرات، يقسم بالضحى، وله أن يقسم بما شاء (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) ثم يقول هناك: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا وَالأرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) ثم الجواب يأتيك بعد هذه الأقسام المتعددة المغلظة العظيمة من الرب العظيم يقول: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا) فوالله لن يفلح إلا من زكَّى نفسه بالإيمان بالله، والدعوة إلى الله -عز وجل-. وطريق النار سهل، ولكنه محفوف بالشهوات ، وآخره الشقاء الأبدي السرمدي الذي لا يزول. "لمَّا خلق الله النار -في نفس الحديث السابق- قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب إليها، فإذا هي سوداء مظلمة، يحطم بعضها بعضًا، ترمي بشرر كالقصر، كأنه جِمَالت صُفْر، فرجع إلى ربه وقال: وعزتك وجلالك ما يسمع بها أحد فيدخلها، ثم حفَّها الله بالشهوات، وبكل ما تشتهيه النفس، وبكل ما ترتاح له النفس، وبكل ما تهواه النفس، ثم قال: ارجع فانظر إليها، فرجع فنظر إليها، فإذا هي قد حفت بكل ما تشتهيه النفس، فرجع إلى ربه وقال: لقد خشيت ألا يبقى أحد إلا دخلها". إن التعامل مع الله عظيم، وإن المتعامل مع الله لا يخيبه الله رجلاً كان أو امرأة، فيا أيتها المؤمنة انوِالخير، واعملي الخير، فوالله لن تزالي بخير ما نويت الخير، وما عملت الخير.
اسمعي لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من همَّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، ومن همَّ بحسنة فعملها كتبت له عشر حسنات، ومن همَّ بسيئة ولم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت له سيئة واحدة". فضلا من الله ومِنَّة.
فيا ويل ويا ويل ويا ثبور من غلبت آحاده عشراته. حسنة واحدة، أو سيئة واحدة تغلب عشرات الحسنات. يا ويل من كان حاله على ذلك. فانتبهن وتقربن إلى الله -عز وجل- بما يرضى الله. تقربن إليه بالفرائض؛ فإن أحب ما يتقرب به إلى الله الفرائض، ثم تقربن بالنوافل؛ فإنه لا تزال المرأة تتقرب، والرجل يتقرب بالنوافل حتى يحبه الله، "فإذا أحببته -كما قال-: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه". فالهِمَّة الهمة؛ فإنها طريق إلى القمة. أسرعي ولا تنظري إلى الخلف، لا تنظري إلى أي عائق، واعلمي أن شبرًا بذراع، وأن ذراعًا بباع، وأن مشيًا بهرولة. فضلا من الله ومِنَّة. اصبري، وجِدِّي، ولا تسأمي، ولا تملي بالنصح، بالدعوة، بالقيام، بما أوجب الله عليكِ، فلا تنظري إلى لوم لائم، ولا إلى عتاب عاتب، ولا إلى هوى نفس أو شيطان. وإذا اجتمعت عليكِ هذه كلها، فانظري إلى منازل زاكية في جنان ورضوان. أدنى أهل الجنة فيها من يأتي بعد ما دخل أهل الجنة، فيقول الله له: ادخل الجنة، فيقول: يا رب وقد أخذ الناس منازلهم وسكنوا مساكنهم - يخيَّل إليه أنها ملأى- فيقول الله: ألا ترضى أن يكون لك مثل مَلِك من ملوك الدنيا؟ قال: بلى رضيت يا رب، قال: فإن لك مثله ومثله ومثله ومثله، وفي الخامسة يقول: رضيت يا رب رضيت. فيقول: ولك عشرة أمثاله، وما اشتهت نفسك، ولذَّت عينك وأنت فيها.

قولي خيرًا، وادعي خيرًا، وتكلمي خيرًا أو اصمتي؛ فكم كلمة جرى بها اللسان هلك بها الإنسان، وإن المرء ليقول الكلمة من سخط الله يكتب الله –عز وجل- لها بها سخطه إلى أن يلقاه.

أخيرًا. توبي إلى الله، واستغفري الله؛ فإن الشيطان قد قطع علي نفسه عهدًا، فقال: وعزتك وجلالك لأغوينهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، والله يقطع العهد على نفسه –ورغمت أنف إبليس- وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني.
فاللهم إنا نستغفرك، إنك كنت غفارًا، أرسل السماء علينا مدرارًا، وأقرَّ أعيننا بصلاح المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلا أن تجعلنا من الصالحين، وأولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن تجعلنا ممن باع نفسه لله، فجعل همَّه الله والدار الآخرة.
أسأل الله أن يرينا من بنات المسلمين، وأمهات المسلمين، وأخوات المسلمين ما تقَرُّ به الأعين، صالحات، قانتات، تائبات، عابدات. أسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، من كان سببًا في هذا الاجتماع، ومن ساهم فيه بأي مساهمة صَغُرَت أو كَبُرَت أن تجعل له ذلك في ميزان الحسنات عظيمًا عظيمًا؛ فأنت أهل التقوى، وأهل المغفرة. وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين .

أنفع الحلول لأصحاب المشاكل:




أنفع الحلول لأصحاب المشاكل:
من أنفع الأشياء للعبد أن ينسب مشاكله إلى نفسه، فإذا أساء إليه أحد قال: (إنما هذه ذنوبي سلطها الله علي)، فإن أساءت إليه زوجته قال: (لعل هذا جزاء نظرة إلى امرأة متبرجة أو ممازحة موظفة في العمل، استجلبت أنس القلب بحرام فحُرمته من بابه الحلال. ولو أني كففت عن الحرام لألقى في قلب زوجتي محبتي وطاعتي).
إن أساء إليه الناس وظلموه قال: (لعل هذا جزاء أني مُدحتُ بما ليس فيَّ فسكتُّ وأعجبني، أو لم أنصف غيري فسلط الله علي من لم ينصفني).
إن قال قولا صحيحا ففهمه الناس على غير مراده وآذوه لذلك فوجد في صدره غُمة قال: (لعلي قصرت في قيام الليل والاستعانة بالله فوكلني الله إلى نفسي لأعلم حقارتها دون عون مولاها، وأنها مهما أوتيَتْ من فهم أو حسن بيان فإنها مخذولة إن لم يجعل الله لها قبولا).
فإن فعل العبد ذلك عاد إلى نفسه يصلحها، وصان جهده عن مجادلة الناس وإثبات خطأهم وإصابته هو، ولم يعد يشعر بالحنق عليهم والغيظ منهم، لأنه يراهم –ببساطة- مظاهر معاصيه، سلطهم الله عليه ليتوب، فيحصر تفكيره في إصلاح علاقته مع مالك القلوب. وهذا أنفع له من التبرم من الناس والشكوى منهم وتخطئتهم.
في اللحظة التي يفتح الله عليك بهذا التفكير ويشرح صدرك للعمل بمقتضاه فاعلم أن الله أراد بك خيرا. وما تقدم إنما هو تفسير قوله تعالى: ((وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير))، وقوله تعالى: ((قل هو من عن أنفسكم)). فانجُ بنفسك أن تكون ممن قال الله فيهم:
((وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور)).
هذا المعنى نخاطب به الأفراد الشعوب والحركات المنتسبة للعمل الإسلامي، لكننا نحتاج أن نخاطب به أنفسنا أولا، حتى لا تتشتت الجهود عن المهمة الأصيلة ولا نكون ممن قال الله فيهم: ((أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم)).
وأراني أنسى هذا المعنى أحيانا، فأحببت أن أوصي به نفسي وإخواني.
والسلام عليكم .

صيغ الاستغفار



وصيغ الاستغفار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة، منها: "أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه".
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (أستغفر الله) كلمة بمفردها.
وكذلك فإن من قال: "سبحانك اللهم وبحمدك، عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم".
فإن هذه من صيغ الاستغفار أيضا.
وإذا قال: "اللهم اغفر لي وارحمني وتب علي إنك أنت التواب الرحيم" فهذه صيغة للاستغفار أيضا.
وقد جاء في السنن الأربع عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة قول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم) وجاء في صحيح مسلم قوله عليه الصلاة والسلام في الدعاء يبن التشهد والتسليم: (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت).
وكان عليه الصلاة والسلام ينوع في طلب المغفرة، ويعدد الذنوب بأنواعها، فيقول: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطأي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير).
وهناك دعاء إذا قاله العبد موقنا به فمات من يومه قبل أن يمسي كان من أهل الجنة، وإذا قاله في الليل حين يمسي موقنا به، فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة، ما هو هذا الدعاء؟ إنه سيد الاستغفار، ولقب بسيد الاستغفار لأنه أفضل الصيغ التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبو بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) هذه رأس الصيغ، وأفضل صيغ الاستغفار.

نصيحة تعين المسلم والمسلمة على غض البصر



الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . 
أما بعد : 
أخواني وأخواتي تعلمون أن من عظيم نعمة الله تعالى علينا نعمة البصر ، وبها امتن الله تعالى على خلقه في آياتٍ كثيرة كقوله سبحانه : ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل:78) . 
وقال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ) (المؤمنون:78) 
وقال تعالى : ( ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ) (السجدة:9) 
وقال تعالى : ( قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ) (الملك:23) ، وشكر هذه النعمة من أوجب الواجبات على العبد ، حيث لا يكافئها عمل الليل والنهار وإن بلغ خمسمائة عام ، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( خرج من عندي جبريل آنفا فقال : يا محمد ، إن لله عبداً عبد الله خمسمائة سنة ، على رأس جبل ، والبحر محيط به ، وأخرج له عيناً عذبة بعرض الأصبع ، تفيض بماء عذب ، وشجرة رمان تخرج كل ليلة رمانة ، فيتغذى بها ، فإذا أمسى نزل وأصاب من الوضوء ، ثم قام لصلاته ، فسأل ربه أن يقبضه ساجداً ، وأن لا يجعل للأرض ولا لشيء يفسده عليه سبيلاً حتى يبعث ساجدا ، ففعل فنحن نمر به إذا هبطنا وإذا عرجنا وأنه يبعث يوم القيامة فيوقف بين يدي الله فيقول : أدخلوه الجنة برحمتي ، فيقول : بل بعملي يا رب ، فيقول للملائكة : قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله ، فتوزن ، فتوجد نعمة البصر قد أحاطت بعبادة خمسمائة سنة ، وتبقى نعمة الجسد فضلا عليه ، فيقول : ادخلوه النار ، فينادي : يا رب برحمتك ، فيقول : ردوه ، فيوقف بين يديه ، فيقول : من خلقك ولم تك شيئا ؟ ، فيقول : أنت يا رب ، فيقول : أكان ذلك من قبلك أم برحمتي ؟ ، فيقول : برحمتك ، فيقول : أدخلوه الجنة برحمتي ) رواه الحاكم في " المستدرك " والحكيم الترمذي في " النوادر " . 
إذا عُلم هذا أخواني وأخواتي – بارك الله فيهم – تحتم علينا جميعاً أن نستحي من صاحب هذه النعمة ، وأن نراقبه فيها فلا ننظر إلى ما حرّم الله ، وأن نسخرها فيما يرضي الله عنا ، ونعلم أننا غداً سوف نُسئل عما رأيناه بأبصارنا قال تعالى : ( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)(الإسراء: من الآية36) . 
*******
إخواني وأخواتي : قال الله تعالى : ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ) الآية (النور:30-31) . 
وهذا أمر رباني عام للرجال والنساء بغض الأبصار عمّا حرّم الله تعالى عليهم ، والمراد غض البصر عن العورة وعن محل الشهوة ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – (قد أمر الله في كتابه بغضّ البصر، وهو نوعان: غضّ البصر عن العورة، وغضّه عن محلّ الشهوة. فالأول منهما كغضّ الرجل بصره عن عورة غيره، كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة )) ، ويجب على الإنسان أن يستر عورته .... وأمّا النوع الثاني: فهو غضّ البصر عن الزينة الباطنة من المرأة الأجنبية، وهو أشدّ من الأول ) [ الفتاوى : 414 ) . 
وكلا هذين النوعين مما يتلف الفروج بالوقوع في المحظور من الزنى واللواط شاء الإنسان أم أبى ! ، ولهذا عقّب الله تعالى بذكر حفظ الفروج بعد الأمر بغض البصر ، وقد قال أهل العلم والعقل : ( أن مبدأ طريق الزنى بنظرة ! ) ، وجاء وصفها بأنها سهم من سهام إبليس يصاب بها المرء فيقع في مصيدته ! . 
والأمر في الآية للوجوب ، لا صارف له عن محارم الله تعالى ، وعلى ذلك فمن أفرط بصره ونظر به إلى المحرمات فقد وقع في محاذير كثيرة : منها : 
1- مخالفة الله - جبار السموات والأرضين – في أمره ونهيه ، ومخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره ونهيه ، والله تعالى يقول : ( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) (آل عمران:32) ، ويقول : (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (آل عمران:132) ، ويقول : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) (محمد:33) ، ويقول تعالى : ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(النور: من الآية63) . 
فمن منّا عباد الله يحب أن يكون من الكافرين بأمر الله ونواهيه ؟! . 
ومن منّا في غنى عن رحمة الله ولطفه حتى يعصيه ؟! . 
ومن منّا يسعى بيده لخراب بيت أعماله الصالحات بمعول المعاصي والذنوب ؟! . 
ومن منّا يتحمل الفتنة – وهي الإشراك بالله – أو يتحمل العذاب الأليم بعد أن هداه للتوحيد والإسلام مقلب القلوب ؟! . 
2- أيضاً من المحاذير الواقعة من النظر إلى المحرمات والعورات : الوقوع في الزنى واللواط ، ومشين الأخلاق والطباع ، ولهذا سمي النظر إلى المحرمات زنى كما جاء في الحديث الصحيح : ( العين تزني وزناها النظر ، وفي آخره : والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ) . 
قال الشاعر :
كل الحوادث مبداهـا من النظـر ******* ومعظم النّار من مستصغر الشررِ 
كـم نظرةٍ بلغت من قلبِ صاحبها ******* كمبلغ السهم بـلا قوسٍ ولا وترِ 
والعبـد ما دام ذا طـرفٍ يُقلّبـه ******* في أعين الغيدِ موقوفٌ على الخطرِ 
يسـرُ مقلتَه مـا ضـرَّ مُهجتـَه ****** لا مرحبًا بسـرورٍ عاد بالضررِ
3- أيضاً من المحاذير : الاستهانة بالمنكر المنظور إليه ، فمن تلذذ بالنظر إلى منكرٍ من المنكرات لا يبعد أن يتلذذ بفعله ولو بعد حين لأن أمره هان عنده ، والمؤمن الموحد إجلالاً لله وأمره ، واحتراما لرسول الله وشرعه : لا يقوى قلبه على رؤية ما يبغضه الله ورسوله ! . 
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل عليه رسولي كسرى وقد حلقا لحيتيهما : فصد عنهم ببصره ، وقال : من أمركما بذلك ؟ ، فقالاً : أمرنا ربنا – يعنيان كسرى - ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما أنا فأمرني ربي بأن أعفي لحيتي وأحف شاربي ) . 
ويروي بعض السلف كان إذا مرّ أمامه نصرانياً أغمض عينيه ! ، فقيل له : لماذا تصنع ذلك ؟ فقال : لا أستطيع أن أنظر لمن يسب الله ) . 
قلت : أي بالكفر به سبحانه . 
وسئل بعض السلف : كيف أصبحت ؟ ، فقال : بشر حال ! ، وقعت عيني على صاحب بدعة اليوم ! . 
فكيف يليق بالمسلم أن يطلق النظر إلى الماجنين والماجنات ، أو إلى صور المنكرات ، أو الفواحش بأنواعها : استمتاعاً ، وتلذذاً ، وهو مأمور بأن يجانب أرض الفساد وأهله ! ، فكيف بالتلذذ والاستمتاع به ، فكيف بمن يستأنس بذلك الساعات الطوال في التلفاز وتصفح المجلات أو اكتنازها وربما تعليقها على عرض الحائط ! . 
4- أيضاً من المحاذير : فساد القلب ، وانتكاس الأمزجة ، وتبدل الفِطَر ، ولهذا تجد من يستمع بالنظر إلى المحرمات لا يتعمر وجهه عند رؤية : 
وثن يعبد ، أو صليب معلّق ، أو امرأة متهتكة سافرة ، بل ربما هلك وزلق وقال : بأن الأمر عادي ! أو طبيعي ! ، فهان في نظره ما يسخط الله تعالى ولا حول ولا قوة إلاّ بالله . 
ولنتأمل – يا أخواني وأخواتي – أنفسنا اليوم في منكرات انتشرت بيننا : وليكن منكر ( حلق اللحى وإسبال الإزار ) فلانتشارها بين الرجال ، وتبلد أحاسيسنا بالنظر إلى هذه الشناعة صباح مساء ، أصبح لسان حالنا أن الأمر لا نكارة فيه : نتحدث معهم ، نضاحكهم ، و نشاربهم ، و نؤانسهم ، وكأن الأمر هيّن وهو عند الله عظيم . 
ورضي الله عن ابن عمر عندما قال : ( إنكم لتعملون أعمالا كنا نعدها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات ! ) . 
أليس حلق اللحى من شان المشركين واليهود والنصارى ؟ . 
ألم يأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم ؟ . 
أوليس مسبل إزاره متوعد بأن لا يكلمه الله ولا يزكيه وله عذاب عظيم يوم القيامة كما جاء في الحديث الصحيح . أوليس هذا منكر يجب أن لا نجالس صاحبه إن استمر عليه مهما يكن من شي ؟! . 
روى الإمام أحمد و أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان : الرجل يلقى الرجل فيقول : يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد ، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ، ثم قال : (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) إلى قوله : ( فَاسِقُونَ ) (المائدة: 78-81) ، ثم قال : كلا والله ، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا ) . 
فما الذي جعل القلوب تموت ، والأمزجة تنتكس ، والفطر تفسد : غير فرط النظر للمحرمات ، والله المستعان . 
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( فالنّظر داعية إلى فساد القلب، قال بعض السلف : النظر سهمُ سمٍّ إلى القلب ) [ الفتاوى : 15/395] . 
وقال رحمه الله : ( وقوله سبحانه : ( لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر:88) يتناول النظر إلى الأموال واللباس والصور وغير ذلك من متاع الدنيا .... وذلك أن الله يمتع بالصور كما يمتع بالأموال ، وكلامها زهرة الحياة الدنيا ، وكلاهما يفتن أهله وأصحابه ، وربما أفضى به إلى الهلاك دنيا وأخرى ) ( الفتاوى : 15/398 ) . 
فهذه بعض محاذير سنحت في فكرتي مع هذه العجالة ، فكيف يستهان بواحدة منها فينظر فيما حرّم الله تعالى . ولفشو المنكرات اليوم – والله المستعان – تحتم على المسلم أن يجتهد في غض بصره عن كل ما حرّم الله النظر إليه ، وخاصة النساء والمردان ، فإن ابليس ينصب رأيته عند ذلك ، ويدعوك على النظر إليها . 
قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( الشيطان من الرجل في ثلاثة : في نظره وقلبه وذَكَره ، وهو من المرأة في ثلاثة : في بصرها وقلبها وعجُزها ) . 
وقال مجاهد : ( إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها فزَّينها لمن ينظر، فإذا أدبرت جلس على عجُزها ، فزينها لمن ينظر ) . 
وقال سفيان الثوري : ( إني مع كل امرأة شيطاناً ، وأرى مع الشاب الأمر بضعة عشر شيطانا ) . 
فيجتهد المسلم في صرف بصره عن النظر إلى المحرمات ، وإذا بلي بأن تكون محل إقامته في أرض يكثر فيها الفساد وتكشف النساء ، وتغنج المردان : فليجتهد في غض الطرف أكثر ، ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا . 
قال سعيد بن أبي الحسن: قلتُ للحسن: إنّ نساء العجم يكشفن صدورهنّ ورؤوسهنّ، قال: اصرف بصرك، يقول الله تعالى: ( قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ) ( النور:30 ) 
وليعلم أن الأمر بغض البصر – كما تقدم الإشارة إليه – عام للرجال والنساء ، فالمرأة مأمورة بغض بصرها عن محارم الله تعالى ، وعن الصور والأفلام ، وقد أجمع العلماء على حرمة نظر النساء للرجال بشهوة ، واختلفوا في مجرد الرؤية بدون شهوة ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ( 15/396) : ( وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب من الرجال بشهوة ولا بغير شهوة ) . 
فكيف بحال من : تعشق صور مشاهير الرجال ، وتتمعن في جمال هذا وذاك ، وتراهن على أن زيداً أجمل من عمرو ، وربما علّقت صورته في بيتها أو حفظتها في جهاز الكمبيوتر وجعلتها خلفية لشاشتها أو رمزاً لتوقيعها !! ، أو على شاشة هاتفها الجوال ، وغير ذلك من سخافات العقول قبل أن تكون مصادمة المنقول ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العظيم . 
تنبيه وفائدة : حذر العلماء من النظر للمحرمات ، وكذلك من فرط النظر إلى ما لا حاجة له ، ويسمى ( فضول النظر ) وذلك أن فيه شتات الذهن ، وعدم استقراره ، ولهذا نرى أن أقوى الناس حفظاً وذاكرة ، وأرقهم طبعاً ، هم أقلّ الناس نظراً ، ولهذا من بلي بسلب هذه النعمة تقوى في الغالب عنده حافظته ، وذاكرته ، ويتسم بهدوء الطبع ، ولن نرى ذلك في أنفسنا أن الإنسان في ساعات تذبذب الذهن وشروده : يفزع لإغماض عينيه ، وكذا عندما ينسى شيئاً قد حفظه يغمض عينيه ، كل ذلك لتثبت الذهن وعدم شتاته . 
ونسأل الله لنا ولكم إخواني وأخواتي صلاح القول والعمل ، وسلامة الظهار والباطن ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

جميع الحقوق محفوظه لـ كل مسلم © 2016